سيد قطب

2260

في ظلال القرآن

ثم يأخذ في كشف المنهج الفاسد الذي يتخذونه للحكم على أكبر القضايا وأخطرها . قضية العقيدة : « ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ » . . فما أشنع وما أفظع أن يفضوا بهذا القول بغير علم ، هكذا جزافا : « كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً » . . وتشترك الألفاظ بنظمها في العبرة وجرسها في النطق في تفظيع هذه الكلمة التي يقولونها . فهو يبدأ بكلمة « كَبُرَتْ » لتجبه السامع بالضخامة والفظاعة وتملأ الجو بهما . ويجعل الكلمة الكبيرة تمييزا لضميرها في الجملة : « كَبُرَتْ كَلِمَةً » زيادة في توجيه الانتباه إليها . ويجعل هذه الكلمة تخرج من أفواههم خروجا كأنما تنطلق منها جزافا وتندفع منها اندفاعا « تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ » . وتشارك لفظة « أَفْواهِهِمْ » بجرسها الخاص في تكبير هذه الكلمة وتفظيعها ، فالناطق بها يفتح فاه في مقطعها الأول بما فيه من مد : « أفوا . . . » ثم تتوالى الهاءان فيمتلئ الفم بهما قبل أن يطبق على الميم في نهاية اللفظة : « أَفْواهِهِمْ » . وبذلك يشترك نظم الجملة وجرس اللفظة في تصوير المعنى ورسم الظل . ويعقب على ذلك بالتوكيد عن طريق النفي والاستثناء : « إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً » : ويختار للنفي كلمة : « إِنْ » لا كلمة « ما » لأن في الأولى صرامة بالسكون الواضح ، وفي لفظ « ما » شيء من الليونة بالمد . . وذلك لزيادة التشديد في الاستنكار ، ولزيادة التوكيد لكذب هذه الكلمة الكبيرة . . وفيما يشبه الإنكار يخاطب الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - الذي كان يحزنه أن يكذب قومه بالقرآن ويعرضوا عن الهدى ، ويذهبوا في الطريق الذي يعلم - صلى اللّه عليه وسلم - أنه مود بهم إلى الهلاك . . فيما يشبه الإنكار يقول للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - : « فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ . إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ . أَسَفاً » ! أي فلعلك قاتل نفسك أسفا وحزنا عليهم ، إن لم يؤمنوا بهذا القرآن . وما يستحق هؤلاء أن تحزن عليهم وتأسف . فدعهم فقد جعلنا ما على الأرض من زخرف ومتاع ، وأموال وأولاد . . جعلناه اختبارا وامتحانا لأهلها ، ليتبين من يحسن منهم العمل في الدنيا ، ويستحق نعمتها ، كما يستحق نعيم الآخرة : « إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا » . واللّه يعلم . ولكنه يجزي على ما يصدر من العباد فعلا ، وما يتحقق منهم في الحياة عملا . ويسكت عمن لا يحسنون العمل فلا يذكرهم لأن مفهوم التعبير واضح . ونهاية هذه الزينة محتومة . فستعود الأرض مجردة منها ، وسيهلك كل ما عليها ، فتصبح قبل يوم القيامة سطحا أجرد خشنا جدبا : « وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً » . . وفي التعبير صرامة ، وفي المشهد الذي يرسمه كذلك . وكلمة « جُرُزاً » تصور معنى الجدب بجرسها اللفظي . كما أن كلمة « صَعِيداً » ترسم مشهد الاستواء والصلادة ! ثم تجيء قصة أصحاب الكهف ، فتعرض نموذجا للإيمان في النفوس المؤمنة . كيف تطمئن به ، وتؤثره على زينة الأرض ومتاعها ، وتلجأ به إلى الكهف حين يعز عليها أن تعيش به مع الناس . وكيف يرعى اللّه هذه